ابو البركات
435
الكتاب المعتبر في الحكمة
أشرت اليه بقولي أتم فضيلة وأعجب منها فان علم الشهادة أفضل من علم الغيب والكلى أفضل من الجزئي والعلم بالشريف من المبادى والجواهر غير الجسمانية أفضل من معرفة ما في اليد من الخبايا وتعذره على كثير من الناس في كثير من الأجيال مثل تعذر هذا وما لهذه العمياء من القول في تقدمة المعرفة ومستقبل الحوادث ليس بقليل أيضا وان كان مشوبا بما ليس بحق اما بقصد أو بغير قصد فالعلم بما سيكون من أي وجه يحصل قد قيل فيه وأنه يكون معه شعور بمن جاء من جهته ولا يكون وفيما يراه الناس من الرؤيا في علم الغيب كفاية وهو موجود في كل طائفة ولكل انسان منه نصيب يقل ويكثر فلا يحصر « 1 » قليله وقد أوضحنا ان النوم ليس بسبب فاعل له وانما هو مفرغ للنفس لما لا تتفرغ له مع ازدحام المدركات الحسية في اليقظة عليها فكذلك يكون بل يجوز ان يكون للناس وفيهم من علم « 2 » الغيب ما ليس بقليل ولا مشوب فان المشوب انما يكون مشوبا بأمر خارج عن الطبع فالخاسية والإصابة هي التي بالطبع والخاصية وأنت ترى من نفسك وغيرك أيضا انه إذا لطف وقلل الغذاء والتفت عن الشواغل من عوارض الدنيا رأى في منامه ما هو أصدق واصفى وأقرب في تأويله من ظاهر الرؤيا فما فعل ذاك عدم الغذاء وانما فعله الذي كان يشتغل بالغذاء بل قد يكون من الناس من لا يختلج في سره كذب ولا يقول الا صدقا ولا يتصور الا حقا وتصور الكذب والمحال ابعد من القياس في هذه الحال لولا كثرة الموجود منه الذي يخالف القياس وهو خارج عن طباع النفوس . وصديقنا القاضي إبراهيم المكي رحمه اللّه الذي أنت اعرف بصدقه وكثرة علمه وعزة نفسه وزهده انتهت به رياضته حتى تصرف بهمته وكان من انموذجه في ذلك طفى السراج بصريح الهمة غير مرة وهي على غاية اشتعالها وقوتها فإذا لم تكن النفس في البدن عرضا في موضوع بل جوهرا قائمة بنفسها ولها على عالم الطبيعة سلطان وفي هذه العناصر تصرف فلم تستغرب هذا ولم يلزم
--> ( 1 ) صف - يحقر ( 2 ) سع - علومه .